فصل: ما وقع من أحداث سنة سبع وسبعين وستمائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ أبي الفداء (نسخة منقحة)



.ما وقع من أحداث سنة خمس وسبعين وستمائة:

ثم دخلت سنة خمس وسبعين وستمائة:
فيها في المحرم، وصل الملك الظاهر بيبرس إلى دمشق، وكان فد خرج من مصر في أواخر سنة أربع وسبعين، وبلغه وصول الأمراء الروميين الوافدين، وهم بيجار الرومي، وبهادر ولده، وأحمد بن بهادر، وغيرهم، فسار الملك الظاهر إلى جهة حلب والتقاهم وأكرمهم ثم عاد إلى الديار المصرية.
ذكر دخول الملك الظاهر إلى بلاد الروم:
وفي هذه السنة عاد الملك الظاهر بيبرس بعساكره المتوافرة إلى الشام، وكان خروجه من مصر في يوم الخميس، لعشرين من رمضان هذه السنة، ووصل إلى حلب، ثم إلى النهر الأزرق، ثم سار إلى أبلستين، فوصل إليها في ذي القعدة، والتقى بها جمعا من التتر مقدمهم تناون، وكانوا نقاوة المغل، فالتقى الفريقان في أرض أبلستين يوم الجمعة عاشر ذي القعدة من هذه السنة، فانهزم التتر وأخذتهم سيوف المسلمين، وقتل مقدمهم تناون، وغالب كبرائهم، وأسر منهم جماعة كثيرة، صاروا أمراء، وكان من جملة المأسورين في هذه الموقعة، سيف الدين قبجق، وسيف الدين أرسلان، وسنذكر أخبارهما إن شاء الله تعالى.
ثم سار الملك الظاهر بعد فراغه من هذه الوقعة إلى قيسارية، واستولى عليها، وكان الحاكم بالروم يومئذ، معين الدين سليمان البرواناه، وكان يكاتب الملك الظاهر في الباطن، وكان يظن الملك الظاهر أنه إذا وصل إلى قيسارية، يصل إليه البرواناه، على ما كان قد اتفق معه في الباطن، فلم يحضر البرواناه لما أراده الله من هلاكه، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وأقام الملك الظاهر على قيسارية سبعة أيام في انتظار البرواناه، وخطب له على منابرها، ثم رحل عن قيسارية في الثاني والعشرين من ذي القعدة، وحصل للعسكر شدة عظيمة، من نفاذ القوت والعلف، وعدمت غالب خيولهم ووصلوا إلى عمق حارم، وأقاموا به شهراً، ولما بلغ أبغا بن هولاكو، ساق في جموع المغل حتى وصل إلى الأبلستين، وشاهد عسكره صرعى، ولم يشاهد أحداً من عسكر الروم مقتولاً، فاستشاط غضباً وأمر بنهب الروم، وقتل من مر به من المسلمين، كنهب وقتل منهم جماعة، ثم سار أبغا إلى الأردو، وصحبته معين الدين البرواناه، فلما استقر بالأردو، أمر بقتل البرواناه، فقتل، وقتلوا معه نيفاً وثلاثين نفساً من مماليكه وخواصه، واسم البرواناه المذكور، سليمان، والبرواناه لقب، وهو.الحاجب بالعجمي، وكان مقتله بالأطاغ، وكان البرواناه حازماً بتدبير المملكة، ذا مكر ودهاء.
وفي هذه السنة توفي الشهاب محمد بن يوسف بن زائدة التلعفري الشاعر. وفيها مات الشيخ خضر في حبس الملك الظاهر. وفيها عاد الملك الظاهر من عمق حارم وتوجه إلى دمشق.

.ما وقع من أحداث سنة ست وسبعين وستمائة:

ثم دخلت سنة ست وسبعين وستمائة:
فيها في خامس المحرم، وصل الملك الظاهر بيبرس إلى دمشق، ونزل بالقصر الأبلق، و كان قد رحل من عمق حارم في أواخر سنة خمس وسبعين.
ذكر وفاة الملك الظاهر بيبرس:
فيها في يوم الخميس، السابع والعشرين من المحرم، توفي السلطان الملك الظاهر أبو الفتح بيبرس، الصالحي النجمي بدمشق، وقت الزوال، رحمه الله تعالى، عقب وصوله من بلاد الروم إلى دمشق، على ما تقدم ذكره، وقد اختلف في سبب موته، فقيل إنه انكسف القمر كسوفاً كلياً، وشاع بين الناس أن ذلك سبب موت رجل جليل القدر، فأراد الملك الظاهر أن يصرف التأويل إلى غيره، فاستدعى بشخص من أولاد الملوك الأيوبية يقال له الملك القاهر، من ولد الملك الناصر داود بن المعظم عيسى، وأحضر قمزاً مسموماً، وأمر الساقي فسقى الملك القاهر المذكور، فشرب الملك الظاهر ناسياً بذلك النهاء على أثر شرب الملك القاهر، فمات الملك القاهر عقيب ذلك، وأما الملك الظاهر فحصلت له حمى محرقة، وتوفي في التاريخ المذكور، وكتم نائبه ومملوكه بدر الدين تتليك، المعروف بالخزندار، موته، وصبره وتركه في قلعة دمشق إلى أن استوت تربته بدمشق، قرب الجامع، فدفن فيها، وهي مشهورة معروفة، وارتحل بدر الدين تتليك بالعساكر ومعهم المحفة، مظهراً أن الملك الظاهر فيها، وأنه مريض، وسار إلى ديار مصر، وكان الملك الظاهر قد حلف العسكر لولده بركة بن بيبرس، ولقبه الملك السعيد، وجعله لي عهده، فوصل تتليك الخزندار بالخزائن والعسكر إلى الملك السعيد بقلعة جبل، وعند ذلك أظهر موت الملك الظاهر، وجلس ابنه الملك السعيد للعزاء، استقر في السلطنة، وكانت مدة مملكة الملك الظاهر نحو سبع عشرة سنة وشهرين عشرة أيام، لأنه ملك في سابع عشر ذي القعدة، سنة ثمان وخمسين وستمائة، توفي في السابع والعشرين من محرم، من سنة ست وسبعين وستمائة، وكان ملكاً جليلاً شجاعاً عاقلاً مهيباً، ملك الديار المصرية والشام، وأرسل جيشاً فاستولوا على النوبة، وفتح الفتوحات الجليلة، مثل صفد، وحصن الأكراد، وأنطاكية، وغيرها على، ما تقدم ذكره. وأصله مملوك قبجاقي الجنس، وسمعت أنه برجعلي، وكان أسمر أزرق العينين، جهوري الصوت، حضر هو ومملوك آخر مع تاجر إلى حماة، فاستحضرهما الملك المنصور محمد ليشتريهما، فلم يعجبه واحد منهما، وكان دكين البندقدار الصالحي، مملوك الملك الصالح أيوب صاحب مصر، قد غضب عليه الملك الصالح المذكور، وكان قد توجه أيدكين إلى جهة حماة، فأرسل الملك الصالح وقبض على أيدكين المذكور، واعتقله بقلعة حماة، فتركه الملك المنصور صاحب حماة في جامع قلعة حماة، واتفق ذلك عند حضور الملك الظاهر مع التاجر، فلما قلبه الملك المنصور ولم يشتره، أرسل أيدكين البندقدار وهو معتقل، فاشتراه، وبقي عنده، ثم أفرج الملك الصالح عن البندقدار، فسار من حماة وصحبته الملك الظاهر، وبقي مع أستاذه البندقدار المذكور مدة، ثم أخذه الملك الصالح من البندقدار، فانتسب إلى الملك الصالح دون أستاذه، وكان يخطب له، وينقش على الدراهم والدنانير بيبرس الصالحي.
وكان استقرار الملك السعيد بركة ابن الملك الظاهر في مملكة مصر والشام في أوائل ربيع الأول من هذه السنة، أعني سنة ست وسبعين وستمائة، واستقر بدر الدين تتليك الخزندار في نيابة السلطنة، على ما كان عليه مع والده، واستمرت الأمور على أحسن نظام، فلم تطل أيام تتليك الخزندار، ومات بعد ذلك في مدة يسيرة، قيل حتف أنفه، وقيل بل سم، والله أعلم، وتولى نيابة السلطنة بعده شمس الدين الفارقاني، ثم إن الملك السعيد خبط وأراد تقديم الأصاغر، وأبعد الأمراء الأكابر، وقبض على سنقر الأشقر، والبيسري، ثم أفرج عنهما بعد أيام يسيرة، ففسدت نيات الأمراء الكبار عليه، وبقي الأمر كذلك حتى خرجت هذه السنة.

.ما وقع من أحداث سنة سبع وسبعين وستمائة:

ثم دخلت سنة سبع وسبعين وستمائة:
ذكر مسير الملك السعيد بركة إلى الشام والإغارة على سيس وخلاف عسكره عليه:
في أثناء هذه السنة، سار الملك السعيد بركة إلى الشام وصحبته العساكر، ووصل إلى دمشق، وجرد منها العسكر صحبة الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي، وجرد أيضاً صاحب حماة، فساروا ودخلوا إلى بلاد سيسى، وشنوا الإغارة عليها، وغنموا، ثم عادوا إلى جهة دمشق، واتفقوا على الخلاف على الملك السعيد المذكور، وخلعه من السلطنة، لسوء تدبيره، وعبروا على دمشق ولم يدخلوها، فأرسل إليهم الملك السعيد واستعطفهم ودخل عليهم بوالدته، فلم يلتفتوا إلى ذلك، وأتموا السير، فركب الملك السعيد وساق وسبقهم إلى مصر، وطلع إلى قلعة الجبل، وسارت العساكر في إثره، وخرجت هذه السنة والأمر كذلك.
وفيها توفي عز الدين كيكاؤوس بن كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان بن سلجوق، عند منكوتمر ملك التتر، بمدينة صراي، وكيكاؤوس المذكور، هو الذي كان محبوساً بقسطنطينية حسبما تقدم ذكر القبض عليه، في سنة اثنين وستين، وذكر خلاصه واتصاله بملك التتر في سنة ثمان وستين، وخلف عز الدين المذكور ولداً اسمه مسعود، وقصد منكوتمر أن يزوجه بزوجة ابنه عز الدين كيكاؤوس، فهرب مسعود واتصل ببلاد الروم، فحمل إلى أبغا، فأحسن إليه أبغا وأعطاه سيواس وأرزن الروم، وأرزنكان، واستقرت هذه البلاد لمسعود المذكور، ثم بعد ذلك جعلت سلطنة الروم باسم مسعود المذكور، وافتقر جداً، وانكشف حاله، وهو آخر من سمي سلطاناً من السلجوقية بالروم.

.ما وقع من أحداث سنة ثمان وسبعين وستمائة:

ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وستمائة:
ذكر خلع الملك السعيد بركة ابن الملك الظاهر:
في هذه السنة وصلت العساكر الخارجون عن طاعة بركة المذكور إلى الديار المصرية، في ربيع الأول، وحصروا الملك السعيد بركة بقلعة الجبل، فخامر على السعيد بركة، غالب من كان معه من الأمراء، مثل لاجين الزيني وغيره، وبقي يهرب واحد بعد واحد من القلعة، وينضم إلى العسكر المحاصر للقلعة، فلما رأى الملك السعيد بركة ذلك، أجابهم إلى الانخلاع من السلطنة، وأن يعطى الكرك، فأجابوه إلى ذلك، وأنزلوه من القلعة، وخلعوه في ربيع الأول من هذه السنة. أعني سنة ثمان وسبعين وستمائة، وسفروه من وقته إلى الكرك، صحبة بيد عان الركني، وجماعة معه، فوصل إليها وتسلمها بما فيها من الأموال وكان شيئاً كثيراً.
إقامة سلامش ابن الملك الظاهر بيبرس في المملكةوفي هذه السنة، لما جرى ما ذكرناه من خلع الملك السعيد بركة، وإعطائه الكرك، اتفق أكابر الأمراء الذين فعلوا ذلك، مثل بدر الدين البيسري الشمسي، وأيتمش السعدي، وبكتاش الفخري، أمير سلاح، وغيرهم، على إقامة بدر الدين سلامش ابن الملك الظاهر بيبرس في المملكة، ولقبوه الملك العادل، وعمره إذ ذاك سبع سنين وشهور، وخطب له، وضربت السكة باسمه، وذلك في شهر ربيع الأول من هذه السنة، وصار الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي، أتابك العسكر، ولما استقر ذلك، جهز أتابك العسكر المذكور، الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى دمشق، جعله نائب السلطنة بالشام، وكان العسكر لما خافوا السعيد بركة، قد قبضوا على عز الدين أيدمر نائب السلطنة بدمشق، وتولى تدبير دمشق بعد أيدمر، أقوش الشمسي نائب السلطنة بحلب، فسار وتولاها، واستمر الحال على ذلك مدة يسيرة.
ذكر سلطنة الملك المنصور قلاوون الصالحي:
وفي هذه السنة أعني سنة ثمان وسبعين وستمائة، في يوم الأحد، الثاني والعشرين من رجب، كان جلوس السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي في السلطنة، بعد خلع الصبي سلامش، وعزله، ولما تولى السلطان الملك المنصور، أقام منار العدل، وأحسن سياسة الملك، وقام بتدبير المملكة أحسن قيام.
ذكر خروج سنفر الأشقر عن الطاعة وسلطنته بالشام:
وفي هذه السنة، في الرابع والعشرين من ذي القعدة، جلس سنقر الأشقر بدمشق في السلطنة، وحلف له الأمراء والعسكر الذين عنده بدمشق، وتلقب بالملك الكامل شمس الدين سنقر.
وفي هذه السنة توفي الملك السعيد بركة، ابن الملك الظاهر بيبرس في الكرك، بعد وصوله إليها في مدة يسيرة، وكان سبب موته، أنه لعب بالكرة في ميدان الكرك، فتقنطر به فرسه، فحصل له بسبب ذلك حمى شديدة، وبقي كذلك أياماً يسيرة وتوفي، وحمل إلى دمشق ودفن بتربة أبيه، ولما توفي الملك السعيد، اتفق من بالكرك وأقاموا موضعه أخاه نجم الدين خضر، واستقر في الكرك، ولقبوه الملك المسعود.

.ما وقع من أحداث سنة تسع وسبعين وستمائة:

ثم دخلت سنة تسع وسبعين وستمائة:
ذكر كسرة سنقر الأشقر:
في هذه السنة، في التاسع عشر من صفر، كانت كسرة سنقر الأشقر المتولي على الشام، الملقب بالملك الكامل، وكان من حديث هذه الكسرة، أن السلطان الملك المنصور قلاوون، جهز عساكر ديار مصر، مع علم الدين سنجر الحلبي، الذي تقدم ذكر سلطنته بدمشق، عقيب قتل قطز، وكان أيضاً من مقدمي العسكر المصري المذكور، بدر الدين بكتاش، وبدر الدين الأيدرمري وعز الدين الأفرم، فسارت العساكر المذكورة إلى الشام، وبرز سنقر الأشقر بعساكر الشام إلى ظاهر دمشق، والتقى الفريقان في تاسع عشر صفر المذكور، فولى الشاميون وسنقر الأشقر منهزمين، ونهبت العساكر المصرية أثقالهم.
وكان السلطان الملك المنصور قلاوون، قد جعل مملوكه حسام الدين لاجين السلحدار نائباً بقلعة دمشق، فلما هرب سنقر الأشقر، أفرج عن حسام الدين لاجين المذكور، وكذلك كان سنقر الأشقر قد اعتقل بيبرس، المعروف بالجالق، لأنه لم بحلف له، فأفرج عنه أيضاً، وكتب الحلبي إلى السلطان الملك المنصور بالنصر، استقر الأمير لاجين المنصوري المذكور نائب السلطنة بالشام، وأما سنقر الأشقر، فإنه هرب إلى الرحبة، وكاتب أبغا بن هولاكو ملك التتر وأطمعه في البلاد، وكان عيسى بن مهنا، ملك العرب، مع سنقر الأشقر، وقاتل معه، وكتب بذلك إلى أبغا أيضاً، موافقة له، ثم سار سنقر الأشقر من الرحبة إلى صهيون في جمادى الأولى من هذه السنة، واستولى عليها، وعلى برزنة، وبلاطنس، والشغر، وبكاس، وعكار، شيزر، وفامية، وصارت هذه الأماكن لسنقر الأشقر.
وفيها توفي أقوش الشمسي نائب السلطنة بحلب، وولى السلطان الملك المنصور قلاوون على حلب، علم الدين سنجر الباشغردي.
وفيها قويت أخبار التتر، وأنهم واصلون إلى البلاد الإسلامية بجموعهم. وفيها جعل السلطان الملك المنصور قلاوون ولده الملك الصالح علاء الدين علي، ولي عهده وسلطنته، وركب بشعار السلطنة.
وفيها سار السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي من الديار المصرية، ووصل إلى غزة، وكان التتر قد وصلوا إلى حلب، فعاثوا، ثم عادوا فعاد السلطان إلى مصر في جمادى الآخرة من هذه السنة.
وفيها استأذن سيف الدين بلبان الطباخي، أحد مماليك الملك المنصور، وكان نائب السلطنة بحصن الأكراد، في الإغارة على بلد المرقب، لما اعتمده أهله من الفساد عند وصول التتر إلى حلب، فأذن له السلطان في ذلك، فجمع بلبان الطباخي المذكور عساكر الحصون، وسار إلى المرقب، فاتفق هروب المسلمين ونزل الفرنج من المرقب، وقتلوا وأسروا من المسلمين جماعة.
وفيها في مستهل ذي الحجة، حرج السلطان الملك المنصور قلاوون من مصر، وسار عائداً إلى الشام، وخرجت هذه السنة.

.ما وقع من أحداث سنة ثمانين وستمائة:

ثم دخلت سنة ثمانين وستمائة والسلطان الملك المنصور بالروحاء وأقام هناك مدة، ثم سار إلى بيسان، وقبض على جماعة من الظاهرية، ودخل دمشق وأعدم منهم جماعة، مثل كوندك، وأيدغمش الحلبي، وبيبرس الرشيدي، وأرسل عسكراً إلى شيزر، وهي لسنقر الأشقر، وجرى بينهم مناوشة، ثم إنه ترددت الرسل بين السلطان وبين سنقر الأشقر، واحتاج السلطان إلى مصالحته لقوة أخبار التتر، ووقع بينهم الصلح، على أن يسلم شيزر إلى السلطان، ويتسلم سنقر الأشقر الشغر وبكاس، وكانتا قد ارتجعتا سه، فتسلم نواب السلطان شيزر، وتسلم الشغر وبكاس سنقر الأشقر، وحلفا على ذلك، واستقر الصلح بينهما.
وفيها أيضاً استقر الصلح بين السلطان الملك المنصور قلاوون، وبين الملك خضر ابن الملك الظاهر بيبرس، صاحب الكرك.
ذكر الوقعة العظيمة مع التتر على حمص:
في هذه السنة، أعني سنة ثمانين وستمائة، في شهر رجب، كان المصاف العظيم بين المسلمين وبين التتر بظاهر حمص، فنصر الله تعالى فيه المسلمين، بعد ما كانوا قد أيقنوا بالبوار، وكان من حديث هذا المصاف العظيم، أن أبغا بن هولاكو، حشد وجمع وسار بهذه الحشود طالباً الشام، ثم انفرد أبغا المذكور عنهم، وغنم وسار إلى الرحبة، وسير جيوشه وجموعه إلى الشام، وقدم عليهم أخاه منكوتمر ابن هولاكو، وسار إلى جهة حمص، وسار السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي بالجيوش الإسلامية من دمشق إلى جهة حمص أيضاً، وأرسل إلى سنقر يستدعيه بمن عنده من الأمراء والعسكر، بحكم ما استقر بينهما من الصلح واليمين، فسار سنقر الأشقر من صهيون، فلما نزل السلطان بظاهر حمص، وصل إليه الملك المنصور صاحب حماة بعسكره، ثم وصل سنقر الأشقر وصحبته أيتمش السعدي، والحاج أزدمر، وعلم الدين الدويداري، وجماعة من الظاهرية.
ورتب السلطان عسكره ميمنة وميسرة، وكان رأس الميمنة الملك المنصور محمد صاحب حماة بعسكره، ثم بدر الدين البيسري دونه، ثم علاء الدين طيبرس الوزيري، ثم أيبك الأفرم، ثم جماعة من العسكر المصري، ثم عسكر الشام، ومقدمهم حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام.
وكان رأس الميسرة سنقر الأشقر ومن معه، ثم بدر الدين تنليك الأيدمري، ثم بدر الدين بكتاش أمير سلاح. وكان بر الميمنة العرب، وبر الميسرة التركمان. وكان ساليش القلب، حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة، ومن أضيف إليه من الأمراء والعساكر، والتقى الفريقان بظاهر حمص في الساعة الرابعة من يوم الخميس، رابع عشر رجب الفرد، من هذه السنة، أعني سنة ثمانين وستمائة، وأنزل الله نصرته إلى القلب والميمنة، فهزموا من كان قبالتهم من التتر، وركبوا قفاهم يقتلونهم، وكان منكوتمر قبالة القلب، فانهزم أيضاً، وأما ميسرة المسلمين فإنها انكشفت عن مواقفها، وتم ببعضهم الهزيمة إلى دمشق، وساق التتر في إثر المنهزمين حتى وصلوا إلى تحت حمص، ووقعوا في السوقية، وغلمان العسكر والعوام، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، ثم علموا بنصرة المسلمين وهزيمة جيشهم، فولى المذكورون أيضاً منهزمين على أعقابهم، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون.
وكانت عدة التتر ثمانين ألف فارس، منهم خمسون ألفا من المغل، والباقي حشود وجموع من أجناس مختلفة، مثل الكرج والأرمن والعجم وغيرهم، ولما وصل خبر هذه الكسرة إلى أبغا وهو على الرحبة يحاصرها، رحل عنها على عقبه منهزماً، وكتب بهذا الفتح العظيم إلى سائر البلاد الاسلامية، فزينت لذلك، ثم إن السلطان الملك المنصور قلاوون، أعطى الدستور للعساكر الشامية، فرجع الملك المنصور محمد صاحب حماة إلى بلده، ورجع سنقر الأشقر وجماعته إلى صهيون، وسار عسكر حلب إليها، وعاد السلطان إلى دمشق، والأسرى والروس بين يديه.
وفيها عاد السلطان الملك المنصور قلاوون إلى الديار المصرية مؤيداً منصوراً.
وفيها عند وصوله إلى مستقر ملكه، قدمت إليه هدية من صاحب اليمن المظفر شمس الدين يوسف بن عمر بن علي بن رسول، وطلب أماناً من السلطان، فقبل السلطان هديته، وكانت من طرائف اليمن، مثل العود والعنبر والصيني ورماح القنا، وغير ذلك، وكتب له السلطان أماناً صدرة هذا أمان الله تعالى، وأمان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأماننا، لأخينا السلطان الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر صاحب اليمن، إننا راعون له ولأولاده، مسالمون من سالمهم، معادون من عاداهم ونحو ذلك. وكان ذلك في العشر الأول من رمضان هذه السنة، وأرسل السلطان إليه هدية من أسلاب التتر وخيولهم، وعادت رسله بذلك مكرمين.
وفيها مات منكوتمر بن هولاكو بن طلو بن جنكزخان بجزيرة ابن عمر، مكموداً، عقيب كسرته على حمص، وكان موته من جملة هذا الفتح العظيم.
وفيها توفي علاء الدين عطاء ملك بن محمد الجويني، وكان صاحب الديوان ببغداد، فنقب عليه أبغا نسبه إلى مواطاة المسلمين، وقبض عليه، وأخذ أمواله، وكان صدراً كبيراً فاضلاً، له شعر حسن، فمنه في تركية:
أبادية الأعراب عني فإنني ** بحاضرة الأتراك نيطت علائقي

وأهلك يا نجل العيون فإنني ** جننت بهذا الناظر المتضايق

وكانت وفاته بعراق العجم، وولي بغداد بعده ابن أخيه هارون بن محمد الجويني.